محمد متولي الشعراوي
4468
تفسير الشعراوى
والحق قال فيهم من قبل : إنهم كذبوا بآياتنا ، وضرب لهم المثل بابن باعوراء وكان مشهورا في أيامهم . لكنهم فاقوا ابن باعوراء لأنه كان فردا وهم جماعة ؛ لذلك لا تقل إن في المسألة تكرارا ؛ لأن المثل من قبل كان على فرد واحد ، أوتى آيات الله فانسلخ منها ، ولكنهم كانوا جماعة . لذلك فانسلاخهم عن المنهج يجعل موقفهم أشد سوءا . ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا و " ساء " أي قبح ، وحين نقول : ساء فلان ؛ أي قبح أمره ، ولكن أي أمر من أموره هو القبيح ؟ فنقول : ساء صحة أي صار مريضا أو ساء حالا أي صار فقيرا ، أو ساء خلقا أي صار شرسا ، وأنت حين تقول : ساء ، فهذا السوء عام له جوانب متعددة ، ويقتضى الأمر التمييز . و " ساء مثلا " أي ساء من جهة المثل ، والمثل في ذاته لا يسوء ؛ لأن الله تعالى يضرب المثل لنا . والمثل إنما يجئ ليبين ويشرح ويوضح . والمعنى هنا : ساء مثلا حال القوم . أو القوم أنفسهم هم الذين ساءوا . لأنهم حين كذبوا بالآيات ظلموا أنفسهم ، فالتكذيب منهم لم يعرقل منهج الله في الأرض ، ولم يعرقلوا بالتكذيب شيئا في كون الله تعالى ، فالكون بنظامه ونسقه يسير بإرادته سبحانه وآيات الكون سائرة . إذن تكذيبهم بآيات الله لن يضير أبدا في أي شئ . والخيبة إنما تقع عليهم . وإن كان التكذيب في الآيات المعجزات فقد بقي ذكر المعجزات إلى الآن . وهم الذين خابوا ، وإن كانوا قد كذبوا بآيات المنهج فهم أيضا الذين خسروا ولم يصب الآيات الإعجازية أو القرآنية أي شيء . وهم قد ظلموا أنفسهم ومثلهم في ذلك مثل المريض الذي لم يسمع كلام الطبيب فإنه يسئ إلى نفسه ولن يضر الطبيب شئ ، والله سبحانه قد أعطانا المنهج لتستقيم به حركة الحياة ، فمن يأخذه ينفع نفسه ، ومن لا يأخذه لن يضر الله شيئا . هم إذن ظلموا أنفسهم ، ومن يظلم نفسه كان هو أول عدو لها ولن يضر الله شيئا ، ولا الرسول ، ولا المجتمع .